أبو حامد الغزالي
79
محك النظر
وجه لو قدّر عدمها لبطل وجود الشجر والفرس وما يجري هذا المجرى . ولا بدّ من إدراجه في حدّ الشيء فمن يحدّ النبات يلزمه أن يقول إنه جسم نامي لا محالة . وأما الالتزام : فما لا يفارق الذات البتة ولكن فهم الحقيقة والماهية غير موقوف عليه ، كوقوع الظل لشخص الفرس والنبات عند طلوع الشمس . فإن هذا أمر لازم لا يتصور أن يفارق وجوده عند من يعبّر عن مجاري العادات باللزوم ويعتقده ، ولكنه من توابع الذات ولوازمه وليس بذاتي له ، وأعني به أن فهم كنه حقيقته غير موقوف على فهم ذلك ، بل الغافل عن وقوع الظل يفهم الفرس والنبات بل الجسم الذي هو أعم منه ، ولم يخطر بباله ذلك ، وكذلك كون الأرض مخلوقة وصف لازم للأرض لا تتصور مفارقته لها ، ولكن فهم الأرض غير موقوف على كونها مخلوقة فقد يدرك حقيقة الأرض والسماء من لم يدرك بعد أنهما مخلوقتان . فإنا نعلم أولا حقيقة الجسمية ثم نطلب بالدليل كونه مخلوقا ولم يمكنا أن نعلم السماء والأرض ما لم نعلم الجسم . وأما العارض : فأعني به ما ليس من ضرورته أن يلازم بل تتصور مفارقته إما سريعا كحمرة الخجل أو بطيئا كصفرة الذهب ، وربما لا يزول في الوجود كزرقة العواد وسواد الزنجي ، ولكن يمكن رفعه في الوهم . وأما كون الأرض مخلوقة وكون الجسم الكثيف ذا ظل مانع نور الشمس فلازم لا تتصور مفارقته . ومن مثارات الأغاليط الكثيرة التباس اللازم التابع بالذاتي فإنهما مشتركان في استحالة المفارقة واستقصاؤه في هذه العجالة غير ممكن البتة . التقسيم الثالث : إن المعاني باعتبار أسبابها المدركة لها ثلاثة محسوسة ومتخيلة ومعقولة . ولنصطلح على تسمية سبب الإدراك قوة فنقول في حدقتك معنى تتميّز به الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر به ، وإذا بطل ذلك من الأعمى بطل الإبصار ، والحالة التي تدركها عند الإبصار شرطها